الأخبار المحلية

عبر نافذتى الصبر والمهنة خالد الجريف

عندما أكملنا التدريب بمعهد البريد و البرق عام 1976م كانت البوستة بوستة و الزمان بريد.
قال لنا احد اساتذتنا الذى نشأت و امتدت بيننا و بينه ألفة و احترام متبادل و نحن وقتها لسنا بطلاب و لا موظفين و إنما فى برزخ بين هؤلاء و أولئك.
قال مودعا ليس لى ما أوصيكم به غير الشفافية مع جمهور المتعاملين و الصبر، خاصة و انتم سوف تحتضنكم مدن و قرى البلاد المختلفة كل حسب حظه و ما قدرت له ادارة المرفق فى تنقلاتها، وحكى لنا طرفة يرطب بها عنا لحظات الفراق و جفافها، مفادها أن أحد سلفنا فى المهنة وهو مازال تحت التدريب تم نقله إلى بلدة نائية ارضها صخرية و تحفها الجبال من كل حدب و صوب لا تعرف الخضرة و الماء (و الثالثة خلوها). بلدة قاحلة ماحلة جردتها الطبيعة من اى حلية او زينة تخفف وحشتها حتى بدت وغدت عاطلة كئيبة المنظر يستوحش فيها الجان قبل الإنسان (منطقة شدة)، فى تلك المنطقة القصية استقبله وكيل المكتب الذى كان يعمل بمفرده و أحسن الترحاب به و اكرم وفادته و لم يضن عليه بالتدريب و التأهيل إلى أن حذق العمل و أتقن المهنة و اتم الوكيل عرفانه بتعريفه بالمنطقة و أعيانها و جغرافيتها البشرية و ما جاورها َو موظفى الخدمة المدنية فى مختلف مرافق تلك البلدة على قلتهم. (قبل أن تدول دولة الموظفين ثم لتصير من بعد دولة حركات) انخرط ذلكم الفتى فى منظومة الحياة بتلك البلدة الجافة صابرا على جفاء الزمان و تقلب الأيام و اعاصير الحياة و أخذ يتحلل و يتخلى شيئاً فشيئاً عن هواجس المبتدئ.
ذات يوم فاجأه الوكيل الذى اطمأن أن تلميذه صار من الجدارة و الكفاءة بحيث لا يحتاج بعدها إلى أحد فى ممارسة المهنة و مزاولتها و إنه أمين و قمين ان يدير المكتب بمفرده، قائلا يا فتى إنى قد مكثت هنا طويلا فهلا سمحت لى بعد إذن الادارة أن اذهب فى اجازة للإستجمام و الراحة وزيارة الاهل؟ وافق الفتى بشهامة قائلا لك ما تشاء.

مضى الوكيل بأسرته فى عطلته و هو يضمر شيئاً يكتمه في نفسه.
بعد انقضاء مدة الإجازة ذهب الوكيل للخرطوم و مع ادارة المرفق أنجز ما كان يضمره. تم نقله إلى مدينة الحياة فيها مخضرة مثمرة وارفة الظلال ينساب ماؤها عذبا دافقا – تفرح القلب الكئيب -.
عاد بعدها الوكيل لتلك البلدة النائية لأخذ متاعه و أبلغ تلميذه ما هى إلا أيام و سوف يأتيه وكيل جديد ثم سلمه المكتب بعهدته و عدته رسمياً و سافر لمكان عمله الجديد.
تاركا الفتى يستنجز الوعد السراب بالبرقيات مخاطبا الإدارة بأنه لم يصله خلف للوكيل السابق، و مع مرور الأيام و الشهور و عبر نافذتى الصبر والمهنة تكشف له قناع الحقيقة بأنه شرب المقلب علقما مرا.

مضت الحياة فى تلك البلدة بإيقاعها البطئ الرتيب الذى لا طعم له و لا مذاق ولا نكهة فيه. اسابيع و شهور و سنين و لا مجيب للفتى، لجأ بعدها إلى إدمان حياة اللا مبالاة كشأن بعض موظفى ذاك الزمان.

بعد حين من الزمن فجأه استيقظت الإدارة بالخرطوم من غفلتها و غفوتها و نفضت عنها غبار النسيان و تذكرت ان هناك موظف منذ سنوات فى أعماق الريف البعيد، و ارسلت من يستلم منه.
قابل الفتى بديله بمثل ما استقبل به من قبل بحفاوة و ترحاب حار و هو لا يكاد يصدق ان الإدارة فعلتها اخيرا…

بعد أيام عرف خلالها زميله الجديد بمجتمع البلدة و جغرافيتها البريدية و السكانية.

ذات صباح ذهب ليسلمه المكتب و بعد ان تم ذلك على الوجه الاكمل. قال الوكيل الجديد وهو يحدق فى الافق الحجرى مستوحشا بالله انت هنا من متين؟ فرد عليه مشيرا بيده عبر نافذة المكتب أترى ذلك الجبل الضخم الشاهق الشامخ؟ قال نعم،، فقال له عندما أتيت إلى هنا – كان قدر كده – و أشار بيده إلى إرتفاع لا يزيد عن الأرض إلا قليلا بل يكاد أن يلامسها.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى